عبد القاهر الجرجاني

78

دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر )

ومما هو في غايةِ الحُسن ، وهو من الفَنَّ الأوّلِ ، قولُ الشاعر أنشده الجاحظ 1 : لَقد كنتَ في قومٍ عليكَ أشحَّةٍ . . . بنَفْسِكَ إِلاّ أنَّ ما طاحَ طائحُ يَوَدُّونَ لو خاطُوا عليكَ جلودَهُمْ . . . ولا تَدفعُ الموتَ النفوسُ الشحائحُ قال : وإِليه ذهبَ بشارٌ في قوله : وصاحبِ كالدُّمَّلِ الْمُمِدِّ . . . حملْتُهُ في رُقعةٍ من جلدي 2 72 - ومن سرِّ هذا البابِ ، أنك تَرى اللفظَة المستعارةَ قد استُعيرتْ في عدَّةِ مواضعَ ، ثم تَرى لها في بعضِ ذلك مَلاحةً لا تَجِدُها في الباقي . مثالُ ذلك أنك تَنْظر إلى لفظةِ " الجِسر " في قولِ أبي تمام : لا يَطْمعُ المرءُ أن يجْتابَ لُجَّتَهُ . . . بالقولِ ما لمْ يَكُنْ جِسْراً له العَمَلُ 3 وقوله : بَصْرْتَ بالرَّاحةِ العُظمى فلَمْ تَرَها . . . تُنَال إِلاّ عَلَى جسرٍ منَ التعَبِ 4 فتَرى لها في الثاني حُسْناً لا تَراه في الأَول ، ثم تنظر إليها في قول ربيعة الرقى :

--> 1 في البيان والتبيين 1 : 50 ، وقال : " ذهب إلى قول الأغر الشاعر " ، وأنشد البيتين ، وشعره هذا نقله أيضًا السهيلي في الروض الأنف 1 : 175 . 2 في البيان 1 : 50 ، وفي ديوان بشار المطبوع . 3 في ديوانه ، وروايته : " أن يجتاب غمرته " ، ويروى : " ويختاز غمرته " ، و " اجتباب الأرض وجابها " ، قطعها واختراقها ونفذ منها . 4 في ديوانه ، وروايته " بالراحة الكبرى " ، وهي كذلك في " س " .